الابتكار الاجتماعي

تعريف الابتكار الاجتماعي


عند الحديث عن الابتكار الاجتماعي والريادة الاجتماعيّة تحتفظ مفاهيم الريادة والابتكار بتعريفاتها التي ناقشناها سابقاً غير أنّ الريادة والابتكار الاجتماعيين يختلفان في الهدف المراد تحقيقه من كليهما. فالهدف من الابتكار والريادة الاجتماعيين هو إيجاد حلول لتحديات ومشاكل اجتماعيّة ومجتمعيّة. وبالتالي، يجب أن تصب الحلول والمشاريع الناتجة عن عمليتيّ الابتكار والريادة الاجتماعيين في تحقيق النفع العام المجتمعي والعدالة المجتمعيّة بكافة أشكالها. 

لذلك نلاحظ أن الابتكارات ومشاريع الريادة الاجتماعيّة تسعى لتقديم حلول لمشاكل تتعلق بمحاربة الفقر، والحفاظ على البيئة، وتحقيق المساواة، وبناء السلام والأمن المجتمعي، وغيرها من القضايا والأهداف الاجتماعيّة. 

وبطبيعة الحال، فعندما يتغيّر الهدف من الابتكار والريادة فلا بد وأنّ تتغيّر التوجهات والأدوات والمهارات المطلوبة من المبتكرين والرياديين المجتمعيين. سوف يتم في هذه الدورة توضيح بعض من هذه التوجهات والأدوات لتكون عوناً لكل مبتكر وريادي مجتمعي في رحلته نحو التغيير.

يمكن أن يفيدنا هنا استعراض تعريف الابتكار الاجتماعي من قبل عدة جهات كانت هي الرائدة في تعريف المصطلح ورسم حدوده والخروج بأدوات تحقيقه.

فبالنسبة لمنتدى منظمة التَّعاون والتَّنمية للابتكارات الاجتماعية فإنَّ الابتكار الاجتماعي يتميز عن الابتكار الاقتصادي. فالابتكار الاجتماعي “لا يكتفي بتقديم أنواعٍ جديدةٍ من الإنتاج أو استثمار أسواقٍ جديدةٍ من أجل استغلالها، وإنَّما يتعدى ذلك إلى تلبية احتياجاتٍ جديدةٍ لا يوفرها السوق، أو ابتكار طرقٍ جديدةٍ وأكثر تلبيةً لاحتياجات الآخرين من حيث إعطاء الناس مكاناً ودوراً في الإنتاج”

أما بتعريف منتدى الابتكارات الاجتماعية فيسعى الابتكار الاجتماعي إلى إيجاد حلولٍ جديدةٍ للمشكلات الاجتماعية من خلال :
• تحديد وتقديم خدماتٍ جديدةٍ من شأنها تحسين جودة حياة الأفراد والمجتمعات.
• تحديد وتنفيذ عملياتٍ جديدةٍ في سوق العمل، والتَّكامل في العمل عى توفر وظائف وكفاءاتٍ جديدةٍ، وأشكالٍ جديدة من المشاركة وعناصر متنوعة تساهم كل منها في تحسن وضع الأفراد في سوق العمل.

أما مركز نيوزيلندا للابتكار الاجتماعي فيعرف الأبتكار الاجتماعي بأنَّه تصميم وتنفيذ طرقٍ أفضل لتلبية الاحتياجات الاجتماعية، والابتكارات الاجتماعية هي الأفكار الجديدة التي تعمل عى تلبية الاحتياجات المُلحَّة غير الملباة، والأفكار الجديدة التي تعمل عى حل التَّحديات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والبيئية القائمة لصالح الناس والكوكب. وبذلك يكون الابتكار الاجتماعي في حقيقته نظاماً متغيراً، فهو يغيّر المفاهيم والسلوكيات والهياكل التي انتجت هذه التَّحديات في المقام الاول بشكلٍ دائم.

ولتلخيص كل ما سبق يمكن أن نعرف الابتكار الاجتماعي بأنه:

“حل جديد لمشكلة اجتماعية، بطريقة أكثر فعَّالية وكفاءة واستدامة من الحلول الموجودة، وهذا الحل يُشكل قيمة حقيقية للمجتمع ككل وليس للأفراد. الابتكار الاجتماعي قد يكون منتجاً، أو عملية إنتاج، أو تكنولوجيا، وقد يكون مبدأً، أو فكرة، أو قانوناً، أو حركة اجتماعيةً، أو تداخلاً بين أكثر من عنصر.”

مفهوم الابتكار الاجتماعي عبر التاريخ


ظهر مفهوم الابتكار الاجتماعي كرد فعل ناتج عن الاستياء الذي وصل له العالم من عدم قدرة مجاليّ الأعمال و التكنولوجيا، وهما المجالان اللذان احتكرا فكرة الابتكار عبر التاريخ المعاصر، على تقديم بحوث وسياسات وممارسات تفضي إلى حلول جذريّة للتحديات الاجتماعيّة والبيئيّة والديموغرافيّة الأكبر التي تهدد سياسات التنميّة البشريّة في العالم. فجاء مفهوم  الابتكار الاجتماعي لا ليعطي حلولاً جديدةً فحسب، بل ليوفر الحلول الجديدة التي تعمل عى نحوٍ أفضل من الممارسات الحالية، وبالتَّالي تُحدث تحسيناتٍ قابلةً للقياس للفئات المستهدفة التي تخدمها.

تاريخياً، ظهر مفهوم الابتكار الاجتماعي مع الأزمة العالميّة والانهيار الاقتصادي في ثلاثينيات القرن الماضي. حيث تداعت التجارة الدولية بشكلٍ حادٍ، وكذلك الدخل الفردي، وعائدات الضرائب والأسعار والأرباح في جميع أنحاء العالم، كما أن مدناً ومناطق بأكملها انتاب سكانها الجوع والتَّشرد والبطالة والأمراض. أدت هذه التَّغرات الاقتصادية الهائلة إلى ظهور الحركات الاجتماعية الكبيرة، الأمر الذي شكَّل ضغطاً عى الحكومات للتَّخفيف من معاناة المواطنين. ففي الولايات المتحدة ردت الحكومة الاتحاديّة آنذاك بتأسيس إدارة الأشغال التي تقدم وظائف للعاطلين عن العمل، كما أعطت إدارةُ الضمان الاجتماعي رواتب شهريةً لكبار السن من المواطنين. كانت هذه البرامج الوطنيّة من أول نماذج الابتكارات الاجتماعيّة لمعالجة التحديات الراهنة آنذاك، وتطور المفهوم خلال العقد الماضي بتطور الاحتياجات والتحديات. 

تطور المفهوم وأصبح في ستينيّات القرن الماضي يشير إلى البحوث التَّجريبية في العلوم الاجتماعية والإنسانية. ومنذ ذلك الحين، صار يستخدم في إشارةٍ إلى المشاريع الاجتماعية، والابتكارات التكنولوجية التي تحقق المنافع الاجتماعية والمسؤولية الاجتماعية للشركات والابتكارات المفتوحة. أما في الثلاثين سنة الماضيّة فقد  أصبحت المشكلات الاجتماعية تتطلب حلولاً أكر تطوراً. نتيجةً لذلك، ازداد تضافر جهود القطاعات الثلاثة (الاجتماعيّة والتكنولوجيّة وقطاع الأعمال) من أجل معالجة المشكلات الاجتماعية التي تؤثر على المجتمع ككل. وكذلك بدأت الحدود الفاصلة بن القطاعات غير الربحية، والحكومية، والتجارية الربحية بالتلاشي. وفي غياب هذه الحدود، أصبحت الأفكار، والقيم، والأدوار، والعلاقات، ورأس المال تتدفق بحريةٍ أكبر بين هذه القطاعات. وقد أدى هذا الدمج بين القطاعات الثلاث إلى ظهور آلياتٍ حاسمةٍ للابتكار الاجتماعي: كتبادل الأفكار والقيم، والتَّحولات في الأدوار والعلاقات، والتَّكامل في رأس المال الخاص بدعمٍ شعبي وخيري.